ابن الأثير
128
الكامل في التاريخ
ونزل المسلمون عند قلعة هونين وأذن للعساكر الشرقيّة بالعود ظنّا منه أنّ الفرنج يقيمون ببلادهم ، وأراد أن يعطي العساكر المصريّة دستورا بالعود ، فأتاه الخبر ، منتصف المحرّم ، أنّ الفرنج قد نازلوا حصن تبنين ، فسيّر العادل إليه عسكرا يحمونه ويمنعون عنه ، ورحل الفرنج من صور ، ونازلوا تبنين أوّل صفر سنة أربع وتسعين [ وخمسمائة ] وقاتلوا من به ، وجدّوا في القتال ، ونقبوه من جهاتهم ، فلمّا علم العادل بذلك أرسل إلى العزيز بمصر يطلب منه أن يحضر هو بنفسه ، ويقول له : إن حضرت ، وإلّا فلا يمكن حفظ هذا الثغر ، فسار العزيز مجدّا فيمن بقي معه من العساكر . وأمّا من بحصن تبنين فإنّهم لمّا رأوا النقوب قد خرّبت تلّ القلعة ، ولم يبق إلّا أن يملكوها بالسيف ، نزل بعض من فيها إلى الفرنج يطلب الأمان على أنفسهم وأموالهم ليسلّموا القلعة ، وكان المرجع إلى القسيس الخنصلير من أصحاب ملك الألمان ، فقال لهؤلاء المسلمين بعض الفرنج الذين من ساحل الشام : إن سلّمتم الحصن استأسركم هذا وقتلكم ، فاحفظوا نفوسكم ، فعادوا كأنّهم يراجعون من في القلعة ليسلّموا ، فلمّا صعدوا إليها أصرّوا [ 1 ] على الامتناع ، وقاتلوا قتال من يحمي نفسه ، فحموها إلى أن وصل الملك العزيز إلى عسقلان في ربيع الأوّل ، فلمّا سمع الفرنج بوصوله واجتماع المسلمين ، وأنّ الفرنج ليس لهم ملك يجمعهم ، وأن أمرهم إلى امرأة ، وهي الملكة ، اتّفقوا [ 2 ] وأرسلوا إلى ملك قبرس واسمه هيمري ، فأحضروه ، وهو أخو الملك الّذي أسر بحطّين ، كما ذكرناه ، فزوّجوه [ 3 ] بالملكة زوجة الكندهري ، وكان رجلا عاقلا يحبّ السلامة والعافية ، فلمّا ملكهم لم يعد إلى الزحف على الحصن ، ولا قاتله .
--> [ 1 ] صرّوا . [ 2 ] فاتفقوا . [ 3 ] فزوّجه .